المقريزي

29

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

ومماليكه ، ولست واللّه أبرح من موضعي أو تنصرفوا عنّي ولا يلقاني أحد إلا في القصر ، فانصرفوا وأقام بعد ذلك خدما من الصقالبة « 1 » الطرّادين على الطريق بالنوبة لمنع الناس المجيء إلى داره ومن لقائه إلا في القصر ، وأمر أبا الفتوح مسعود الصقلبي صاحب الستر « 2 » أن يوصل الناس بأسرهم إلى الحاكم وأن لا يمنع أحدا عنه . فلمّا كان في سابع عشر جمادى الآخرة قرىء سجل على سائر المنابر بتلقيب القائد حسين بقائد القوّاد وخلع عليه ، وما زال إلى يوم الجمعة سابع شعبان سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة ، فاجتمع سائر أهل الدولة في القصر بعد ما طلبوا ، وخرج الأمر إليهم أن لا يقام لأحد ، وخرج خادم من عند الخليفة فأسرّ إلى صاحب الستر كلاما ، فصاح : صالح بن عليّ ، فقام صالح بن عليّ الرودباذي متقلّد ديوان الشام ، فأخذ صاحب الستر بيده وهو لا يعلم هو ولا أحد ما يراد به ، فأدخل إلى بيت المال وأخرج وعليه درّاعة مصمتة وعمامة مذهّبة ومعه مسعود ، فأجلسه بحضرة قائد القوّاد ، وأخرج سجلا قرأه ابن عبد السميع الخطيب ، فإذا فيه ردّ سائر الأمور التي ينظر فيها قائد القوّاد حسين بن جوهر إليه . فعند ما سمع من السجل ذكره قام وقبّل الأرض . فلما انتهت قراءة السجلّ قام قائد القوّاد وقبّل خدّ صالح وهنأه . وانصرف ، فكان يركب إلى القصر ويحضر الأسمطة « 3 » إلى اليوم الثالث من شوّال أمره الحاكم أن يلزم داره هو وصهره قاضي القضاة عبد العزيز بن النعمان وأن لا يركباهما وسائر أولادهما ، فلبسا الصوف ، ومنع الناس من الاجتماع بهما ، وصاروا يجلسون على حصر . فلمّا كان في تاسع عشر ذي القعدة عفا عنهما الحاكم ، وأذن لهما في الركوب ، فركبا إلى القصر بزيّهما من غير حلق شعر ولا تغيير حال الحزن ، فلمّا كان في حادي عشر جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة قبض على عبد العزيز بن النعمان ، وطلب حسين بن جوهر ففرّ هو وابنه في جماعة ، وكثر الصياح بدار عبد العزيز ، وغلقت حوانيت القاهرة وأسواقها ، فأفرج عنه ونودي أن لا يغلق أحد فردّ حسين بعد ثلاثة أيام بابنيه ، وتمثلوا « 4 » بحضرة الحاكم ، فعفا عنهم وأمرهم بالمسير إلى دورهم بعد أن خلع على حسين وعلى صهره عبد العزيز وعلى أولادهما ، وكتب لهما أمانان ، ثمّ أعيد عبد العزيز في شهر رمضان إلى ما كان يتقلّده من النظر في المظالم ، ثم ردّ الحاكم في شهر ربيع الأوّل سنة أربعمائة على حسين بن جوهر وأولاده وصهره عبد العزيز ما كان لهم من الإقطاعات وقرىء لهم سجل بذلك .

--> ( 1 ) في الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي 171 : الصقالبة : السلاف ، ويسكنون بين جبال أورال والأدرياتيكي ، وتطلق على جماعة العبيد المجندين بالسلطة . ( 2 ) في صبح الأعشى 5 / 468 : البرددار : هو صاحب الستارة أو ممسك الستارة ، حيث كان يقف بباب السلطان . ( 3 ) الأسمطة : موائد الطعام . ( 4 ) لعلّ الصواب : ومثلوا .